عنوان هذا المقال لا يعبر عن نظرة تشاؤمية من ناحيتى، ولكنه يتعرض لحالة واقعية يعرفها الجميع وإن كانوا يفضلون إنكار وجودها. ولا أظن أن انكار الحقيقة المرة سوف يغير من شىء. ولن يحسن من الحال دفن الرؤوس فى الرمال والإدعاء أن العلاقة بين مسلمى مصر ومسيحييها تمام التمام و(سمن على عسل). فمعرفة الواقع أمر ضرورى للتغيير والإعتراف بالمرض هو أول خطوات العلاج.
وما زلت أتذكر بإنزعاج شديد منظر الأم المسلمة التى كانت تبكى إبنها الذى قتل ضمن الشباب المسيحى الذى لقى نحبه فى نجع حمادى وهو خارج من الكنيسة ليلة عيد الميلاد. وفى صراخها لم توجه تلك السيدة اللوم إلى القتلة على جريمتهم التى أدت الى قتل الأبرياء من المسيحيين وأيضا قتل إبنها المسلم، بل ولم توجه اللوم للقتلة حتى على مجرد قتلهم لإبنها ، ولكن الغريب أنها وجهت اللوم إلى المسيحيين الذين تسبب قتلهم فى موت ابنها!! وكأن المسيحيين هم المخطئون فى نظر تلك السيدة حتى وإن كانوا الضحية، أما القتلة فلا لوم عليهم لأنهم يقومون بواجبهم. هذا الشعور- للأسف - يعبر عن مشاعر شريحة من مسلمى مصر، تتزايد باستمرار، والذين لم يعد يحملون لشركائهم فى الوطن مشاعر الود التقليدية التى كانت موجودة فى يوم من الأيام.
ولا شك عندى أن هذه الظاهرة هى السبب الحقيقى للغبن الواقع على أقباط مصر. فلا أظن أن الحكومة المصرية تكن عداء شخصيا للمسيحيين أوأنها تجد لذة خاصة فى حرمانهم من حقوقهم. ولكن سبب سوء معاملة الحكومة المصرية للمسيحيين ترجع إلى محاولتها إرضاء المشاعر المتعصبة التى أصبحت تطغى على الكثيرين من مسلمى مصر.ولأن هؤلاء يكونون التيار الأقوى والأكثر عنفا فى البلاد فإن الحكومة تحاول إسترضائهم على حساب الأقلية القبطية المسالمة التى لا تخشاها ولا تعمل حسابها فى شئ.
هذا الرأى عبرت عنه الفنانة صابرين فى لقائها مع برنامج ((بدون رقابة)) مساء الأربعاء السابع من أبريل ۲٠١٠ حين قالت (( الأقباط فى مصر لا يأخذون كل حقوقهم لسبب الأغلبية المسلمة المتواجدة فى مصر الأمر الذى يصعب عليه (من الأقباط) التواجد فى كل مكان والحصول على كل الفرص)).
والأسباب التى أدت لهذه المشاعر السلبية ترجع إلى ظروف إستجدت على مجتمعنا المصرى وعلى رأسها إزدياد الجرعة الدينية المتطرفة الوافدة عبر الصحراء الشرقية والتى تعبر عن نفسها فى خطب أئمة الجوامع ومقالات الكتاب الإسلاميين التى يبثها الإعلام المصرى فى وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة. وأعتقد أن الظروف الإقتصادية الصعبة التى تمر بها مصر قد زادت من هذه المشاعر فالإقتصاد المصرى لم يعد قادرا على تلبية إحتياجات المواطنين الذين يتزايد عددهم بإستمرار. ومن هنا ربما يشعر بعض المسلمين أن الأقباط ينازعونهم لقمة العيش وفرص الحياة.
ولكن من الخطأ محاولة التعميم والقول أن هذا ينطبق على جميع مسلمى مصر. ذلك أن مشاعر المسلمين تجاه الأقباط المسيحيين تختلف بين الواحد والآخر. ولابد أن نعترف أن هناك البعض من الأخوة المسلمين الذين ما يزالوا يكنون لأخوتهم المسيحيين مشاعر الود. ولكن هذا النوع من المواطنين قد أخذ ينحسر وأخشى أن يكون فى طريقه الى الإنقراض إذا استمرت الأمور فى نفس الإتجاه.
وبصفة عامة يمكن أن يقال أن مشاعر العدد الكبير من المسلمين تجاه المسيحيين فى مصر فى هذه الأيام تتراوح بين عدم الإكتراث بوجودهم وكأنهم كمية مهملة من الناس، لا قيمة لها، وبين الكراهية لهم لحد الرغبة فى التخلص منهم. وبين هذين الإتجاهين هناك من يضمر للمسيحيين مشاعر الحسد فيقولون عنهم أنهم أسعد أقلية وقد يتهمونهم بالإستحواذ على خيرات مصر لمجرد أن هناك أفرادا من المسيحيين قد نجحوا فى العمل الخاص. وتناسى هؤلاء أن المسيحيين إضطروا الى اللجوء الى العمل الخاص بعد التضييق عليهم فى العمل العام، كما أن نجاح القلة منهم لا يعنى نجاح الجميع ولا يساعد فى كثير أو قليل غالبية المسيحيين الذين يعانون من الفقر والحاجة. وبالإضافة الى المشاكل التى يعانى منها كل المصريين فإن المسيحيين يعانون من مشاكلهم الخاصة لمجرد كونهم مسيحيين.
واضح أن العلاقة بين مسلمى مصر ومسيحييها تعانى شرخا كبيرا قد أدى إلى تداعيات خطيرة نرى نتائجها المأسوية فى المجتمع المصرى فى كل يوم. وأعتقد أن الإعتداءات الطائفية التى تصاعدت فى هذه الأيام هى نتاج لتلك المشاعر. ففى يوم من الأيام كانت تلك الإعتداءات تتم بواسطة الجماعات الإرهابية أما الآن فنراها تتم بواسطة المواطنون العاديون من الجيران كما فى حادث الكشح ونجع حمادى وغيرها.
ولذلك إننى أدعو من تبقى من عقلاء هذا الوطن أن أن يواجهوا هذه الظاهرة الخطيرة التى تهدد مستقبل مصر قبل فوات الوقت. وأعترف بوجود مجهودات فى هذا المجال من جانب بعض المثقفين التى أتمنى أن تستمر وتتصاعد.
وأطالب الدولة بأن تستيقظ من سباتها وتكون جادة فى معالجة الموقف قبل أن يغرق القارب بالجميع. وجذور الكراهية معروفة للجميع وهى تتركز فى مقررات التعليم وما يبثه الإعلام وما يلقيه الدعاة من خطب فى المساجد .
أتمنى أن يعود قريبا الود المفقود بين مسلمى مصر ومسيحييها، وأن أرى اليوم الذى يحس فيه المسلم المصرى أن المسيحى المصرى هو أخوه فى الوطن وأنه أقرب اليه من المسلم الماليزى.
Mounir.bishay@sbcglobal.net